موعد مدبّر

17 أكتوبر, 2012

في طاولة التحقيق، سأله المحقق: إنَّه غريب، ولست تعرفه، لمَ قتلته؟
- كنت.. كنت أريد مقابلته.
- من ؟
- ملك الموت.

جنديُّ النافذة (قصة قصيرة)

4 أكتوبر, 2012

كان المساء أحمر.
وأنا لا أقول هذا بطريقةٍ شاعريّة، كان المساء فعلاً أحمر. الدماء في كل مكان، الفوضى انتشرت بسرعة، مثل رشّة عطر. والصخب يومها كان مريض غيبوبة، يفيق ساعةً ويغيب أخرى.
ذهبت لانتشال الجثث، كان عددهم بسيطاً هذه المرة، أحجامٌ لم نعتدها، أجسادٌ ضخام. استغرقنا الأمر وقتاً طويلاً لذلك، كان شاقاً أيضاً هذه المرة.
بعدما فرغت، جلست أتأمل الموقف. إنني أقتل، للمرة الرابعة. ولا أجد في الأمر أية مشكلة، هذه هي المشكلة. أحاول التنصُّل بتفسير هذا البرود، هذا التبلُّد الذي يرتديني. وكل ما أتوصل إليه أننا في مرحلةٍ ما ننتهي إلى فعل مالا كنا نتخيّل يوماً أنّا سنفعله، هذا كل شيء، نبرر ذلك بأنّا صرنا الآن أكثر فهماً.. أكثر اقتناعاً.

في المرة الأولى، حاولت إبقاء الأمر خفية. لكنه وجهي كان فاضحاً عند أمي، وجوه الأبناء دائماً أبوابٌ عارية عند أمهاتهم، واضحة، لا تُغلقها كذبةٌ أو تسترها حيلة. و كانت تعرف، أن المرء لا يخفي شيئاً إلا إذا كان جيداً جداً، أو سيئاً جداً. وكم تمنت الأولى، لكنها تدري أن الأوضاع ترجّح الثانية أكثر.

في المرة الرابعة، كانت موجودة. كان مقدراً لها أن تشهد الأمر في أي يوم، ليس الأمر كما لو أننا نتشارك قصراً، كان منزلاً صغيراً، بطابقين، وغرف كافية لأيّ عائلة صغيرة يتكون أفرادها من خمسة أشخاص. واحدٌ منهم لم يعد إلى المنزل منذ أشهر طويلة. كان ذلك أبوهم. كل ما أبقاه كان بندقية صيد.

أخبرتني ماريّة أنها سمعت بعض الأصوات، ذهبت إلى نافذة الطابق الثاني، من هناك رأيتهم، اثنان، يتضاحكان و يتمطيان. كانوا قد دخلوا ساحة دارنا، أحدهم خرج عائداً يتفقد أمراً ما، أظنه أوقع شيئاً، انفعل فجأةً مع صاحبه وأخذ يوبخه. ما إن خرج صوبت بندقيتي نحو الآخر-كما لو كنت قاتلاً محترفاً، باتجاه رقبته، وبسرعة أطلقت النار، اربع مرات، اثنتان منهما كانت في الجدار…

هكذا كنت أقتلهم، من نافذتي.

عندما سمع الثاني صوت إطلاق النار عاد مسرعاً، لم يتوقف لحظةً لتفقد صديقه، الملعون راح يرشُّ الطلقات في كل مكان بشكلٍ جنوني، وأنا صرت أرتعد وأتخبط بشكلٍ أبله. في المرات الأولى ارتجفت كثيراً وسقطت مني البندقية عدة مرات، لكني في النهاية تدبرت الأمر. هذه المرة كانت صعبة، أخذ يصوّب باستمرار نحو النوافذ، كان متمرساً ويعرف أن الرصاصة التي اخترقت صديقه للتوّ ما كانت لتجيء إلا من أعلى.

أخي الصغير كان يبكي وهو يرى اخته الكبرى تتحول لكائنٍ متوحش، لشخصٍ آخر لا يعرفه، أو لم يكن يعرفه. بينما أخذت أمي تغلق عينها كما لو كانت تدفع الشرّ بهذه الطريقة. وحدها ماريّة كانت عوناً في مثل هذا الموقف، مفزوعةً تصرخ “احذري” على الأقل.

عندما توقف لحظةً، راح يصرخ ويتوعد ويتلفت يمنةً ويسرة، صرخت ماريّة “الآن، الآن!”، رحت التقط البندقية التي سقطت أكثر مما أطلقت، وأصوّب..هذه المرة صوَب رأسه، أريد اختصار الوقت، لا أحب التعقيد، ولست ماهرة بما يكفي بحيث أتخيّر مكاناً آخر. كان غبياً إذ لم يرتد خوذةً يومها، وكان الحظُّ رفيقي ساعتها. عندما وقعت عيناه عليّ وتبيّن مكاني أخيراً، كنت قد أطلقت النار، وخرّ صريعاً، يختنق بغضبه. صليت ساعتها كثيراً للأفلام، أمي التي لطالما وبختني من أجلها صلت معي كذلك!

قبل دفنهم، بصقت عليهم، كما كنت أفعل مع كل الذين أقتل منذ بدأت الحرب. كانت هذه طريقتي الوحيدة ‪والبائسة‬ لإظهار امتعاضي، لقول:” اغربوا عن وطني! ”

القراءة: أن تفهم العالم.

23 أبريل, 2012

كأيِّ امريءٍ سكِّير قراءة، تبدو الإجابة على سؤالٍ مثل “لماذا نقرأ” أمراً صعباً للوهلة الأولى. وكأنَّك تسأل نفسك حول أحد البديهيَّات التي لم تفكر يوماً في التوقُّف لتأمُّلها، كلِما نتنفس؟ نسعى؟ أو حتى نفتش عن السعادة؟ إذ يتبخّر عنك الكلام، يُغادرك فجأةً ويفرُّ منك في الوقت الذي كنت تحسبه صديقاً مُخلصاً وملازماً لك!

إنَّها الحاجة، الحاجة التي تسدُّ جوعنا الدائم نحو الأشياء، رغبتنا الحثيثة في الشُّعور بشكلٍ أفضل. فالقراءة ليست فعلاً عابراً، هي مَوردٌ صغير، اعتكافٌ يعزلك عما يُضيم، هي نافذتك اليقظة على الآخرين!

ولأن {اقْرَأْ} التي بعثها الله كانت زرَّ تشغيل؛ قرأت، ثُمَّ في الأديان والتاريخ والفِكر والأدب كان أن غرقت!
اقرأ، لأنَّ القراءة تذكرتي إلى عقول الخالدين، لأنَّ فيها ملاذي، لأنَّها مخرج الطَّواريء! أقرأ لأفهم العالم، لأتوصَّل إلى طريقةٍ أتصالح بها مع خيباته وغرابته، لأُحبه أكثر. أقرأ لأُجيب محمود درويش حين تساءل “هل نُدرك المجهول فينا؟”.

إنَّ ما تُضيفه القراءة لحياتك وشخصك أكبر من أن تلحظه في لحظات وتُدركه في ليالٍ معدودات، في أفعالك سترى أثرها، في سُلوكيَّاتك، مفاهيمك. فهي بارَّةٌ برفقتك غير عاقَّة. إنَّها قادرة على أن تصنع منك شخصاً قويماً أو مُعتلاً، إذ أنَّها سُلَّم، به تختار طريقك إمَّا لأعلى أو لأسفل.
و هي ليست -كما يظنُّ الطريفون حين لا يقرأون إلا الرواية- طريقاً مُختصراً لبلوغ مرحلة الثقافة واكتساب رُتبة “مُثقف” بشكلٍ تام، ليس استنقاصاً وهجاءً في الرواية، فثمَّة من هم كتولستوي ودوستويفسكي وهوجو ومن شبههم من الرائعين حفظوا للعمل الروائي قيمته ووقاره الحقيقيّين. والمُثقفون تعرفهم بسيماهم وقراءاتهم.

“المكتبة: بيتٌ كبير، يعيش الموتى فيه مع الأحياء.” هكذا يقول أحد الذين ضاع اسمهم في وجه التَّاريخ، فصرنا نُسمِّيهم بـ”مجهول”! وأُصدِّقه في ذلك.
فهلاَّ لُذنا إلى مكتباتنا و أنصتنا لوشايةِ الأموات!


-مقال كتبته على عجل، تم نشره في احد أعداد مجلة “الإسلام اليوم”
إجابةَ على سؤال: لماذا نقرأ؟

7

20 أبريل, 2012

coldplay، والعالم يُخفض صوته، وأنا أسمعني بوضوح. كصوتٍ قديم، كذكرى نائمة، كحُزن غير مفهوم في ليلةٍ باردة.

6

20 أبريل, 2012

كما لو أن العالم اتخذ وضعية mute. ستغفو بهجتهم، وترقد أفواههم، سيتكوَّرون في حضن الصمت كأطفالٍ صغار. يُغلقون سمَّاعتهم في وجه الحقيقة، وينفصلون عن صوتها.
أولئك في صالات المغادرة، ذوي النحيب المهندم، المُتعبين من حِمل ذكرياتهم.. يعبرون الصالة برباطة جأشٍ كاذبة، يتمالكون وَهنهم، ثم يتداعون عند سماع أول نداء!

4

17 أبريل, 2012

by:duane-michals

“‫كانت الساعة الثالثة صباحاً حينما رنّ الهاتف لأول مرة ولكنه توقف، وما أن وضعت رأسي من جديد لأنام حتى سمعت بعض الطرق على باب غرفتي. كانت حُريَّتي تقف عند الباب، كنت أُخطط لسؤالها: مالذي استغرقكِ كل هذا الوقت؟ لطالما أردت. غير أني اكتفيت بتنهيدة، وعناقٍ طويل.”‬
هذا ما صرت أقضي وقتي بتخيُّله. لقد بات السجن مملاً.

Hello again!

17 أبريل, 2012

كشخصٍ مثلي صام عن التدوين وغاب -لسببٍ يُحزنني وأجهله!- بدى مشروع فاطمة فكرةً جميلةً و مُحرِّضة على العودة لنفض ما افترس هذه الدار. كنت أنوي البدء من اليوم الأول، لكني واجهت مشكلة في لوحة التحكم -كنت أتجاهلها لشهور- عرقلت سعيي وأرغمتني على التأخر، ولم أُصلحها إلا قبل لحظات. مما يجعلني الآن في اليوم الرابع.
الفكرة تدور حول نشاط تدويني جماعي على مدار ١٠ أيام، يكتب فيه المدونون كل يوم موضوعاً مختلفاً ومحدداً، جميعهاً تفضي إلى غايةٍ واحدة: “العربية للإستخدام اليومي”. هنا تعرفون أكثر حول ماهيَّة النشاط، وهنا الرفاق الذين سيُشاركوننا هذه المغامرة!


جميع الحقوق محفوظة لكاتبة المُدوّنة: بنان مرزوق, ولا يُسمح أبداً بأيًّ نسخ -كُلّياً كان أو جُزئياً- إلا بعد أخذ الإذن أو ذكر المصدر.
This site is protected by WP-CopyRightPro