حتّى يكون رمضان مُباركاً , وكريم .

تسكنكم / تكسوكم تَحايا حِسانٌ .

I

من المعروف كثيفاً أن شهرنا العظيم مصحوبٌ بعبارة ” مُبارك ” . لكن في مُجتمعٍ رُوتينيّ يُصبح فيه الكلام شأن كُلّ أمُوره و قومه , من الطبيعيّ أن تُصبح هذا الكلمة ” معلوكةً ” دون تذوّقها وإستيعابها.
فلا أفقه فعلاً كيف يُمكن لرمضانٍ المسكين أن يُصبح مُباركاً و الأبدان تصدح بمؤخراتها على ميلودي و روتانا . يؤكد لي هذا أن بعض المُتأسلمين لا يُقدّمون للإسلام ولا أدنى حُرمة , خُصوصاً بعد سماعي بأن إحدى قنوات الأغاني الأجنبيّة ستُغلق في رمضان , مُعلّلة أنّها لا تود جرح صيام المُسلمين !

اضف لذلك الدعارة السمعيّة ” البال توك ” التي تضجّ بالموسيقى ليل نهار , و الشاتات التي تتزاحم بأدنى الكلام و تنمّ عن هُراء اللُباب . أمّا التلفاز , فلا أدري أيّ الكلام فيه أبلغ , و أيّ البصق فيه يُفلح ! حسبي أن ملكت من القول ما يُشفي غليل البصر .
جُلّ ما أنا أكيدةٌ منه أنّا نحتاج أن نُزيح صِغارنا – في كُلّ وقتٍ و حين – عن الغثاثة الفكريّة التي يتمصّونها مُبتهجين / جاهلين , ليس من الذكيّ أن تتمطّى أبصارهم على قُبلات التُرك و سُخف الخليج .
فنحن يا قوم , نملك من الجيل التالف ما يكفي و يُثير الوَهن ! , نملك جيلاً سمين الجهل , أعرج الفِعل في رمضان , وهذا ما تُصوّره الأسواق – أيضاً.

فلنعزف عن سُود الأمور , و نتّقد مُنتفعين بشهرٍ توّفرت فيه الجنّة .
ليس صعباً أن نُضرم الجانب الديّن فينا و نُبيد ما رنّق أعمالنا , أن نُغشي السعي الأطهر على ألبابنا و نهمّ بذكىّ الخُطى وما مَلكنا من طِيب الورى , أن نُحسن التجلّي بإختصار
.
و ليس مُجهداً إن التزمنا بالأمر حتّى بعد رمضان , فالله مُبصرٌ عليمٌ في كُلّ الشهور , و السنون .

II

يألف عديدُنا أن الأنام في رمضان على شطرين : “ قَويم العبادة الساعي لها هو الأوّل . و مُنكمش الدين , فاره البطن هو الثاني ” .
فعلى العائلات التي تُخرج أطناناً من الفيلة جراء الحشو و تهتم بالأكل قبل الصَوم أن تتذكرّ أولئك الذين اخترق العظم جلدهم .
فلنجعل رمضان كريماً / عامراً بسخاءٍ يسُرّ على جميع الصائمين , المحتاجين و الفقراء الذين يُؤّذن بهم الشقاء كُلّما نُودي أن حيّ على الفلاح . فلنُغدق ولو خُبزةً يشعّ بها وجه آكلها و يهلّ لك بعدها بحُسن دعائه و أصدقه , فلنعتلي الإهتمام و نُصفّفه بنُبل , جاعلينه الفكرة التي لا تنفكّ عن المجيء , الفكرة التي تُذكّر و تُسرّب : ” من فطر صائماً كان له مثل أجره

ما قبل النُقطة :
ليس يُجدي الكلام مالم ينهض بالفِعال

كُلّ عامٍ وأنتم بما يُرضي الله ، هُنا بعض البرامج الدينيّة التي قُمت بجمعها  .

40 رأي على “حتّى يكون رمضان مُباركاً , وكريم .

  1. “ليس يُجدي الكلام مالم ينهض بالفِعال”
    و صدقتِ.. ك دائماً, بارك الله فيكِ بنّــو ونفَع بكِ دوماً

    شكراً لعظيم حرفُك/فكركِ النيّر ياطيبة.

  2. ولتعلمي ياصديقه أن الدنيا إمتحان وماجعل فيها من هراءات الروتانا وإعلانات الأطعمه وغيرها ليست إلا ممخضة منا الصابر والمنقلب على عقبيه ..
    نسأل الله العافيه ..

    أخيليه قلم مبدع ومبهر ..

    [F]

  3. رائع !

    الحق .. أن رمضان أصبح مكاناً للتنافس حتى لذوي الأنفس الدنيئة !
    وبما أن النفوس مقبلة على الخير .. فكّر أولئك أنها ستكون مقبلة على كل شيء .. واستفادوا من النفس المتغير في رمضان ..

    تقبل الله سعيكم …

    تقديري

  4. -1-
    من الطبيعي جدا هذا التّفاوت بين البركة و “اللابركة” .. يا بنان !
    بل هو سنّة الحياة ، و فطرة النّاس ؛ المخلوقين من طين أرضيّ و روح سماويّة .. يتفاوتون عُلوّا و انخفاضا بينهما !

    البركة يا بنان ؛ لا يُمكن تصوّرها إيمانيّة بحتة !
    الحج الذي هو في الأصل خروج لتلبية نداء ربّنا ، و تجرّد من هذه الدّنيا ، و لبس الأبيض إشارة إلى كفن الإنسان ، و الاجتماع على التّسوية بين النّاس أي أنّه خروج أخرويّ .. أيضا علّمنا ربنا أنّنا نشهد فيه منافع “دنيويّة” !

    لا يُمكنني تصوّر أنّ بركة رمضان خاصة بالعُبّاد الزّهاد ، القائمين القانتين . بل يشترك فيها من قدّم فنّا هادفا ، و برنامجا دينيا ، و سيرة تاريخيّة / حياتيّة ، بل ؛ و حتّى “سلعة” استهلاكيّة !

    البركة هي الزّيادة ، و كل إنسان له حرّية الاحتيار في القطاع الذي يريد التّنمية فيه .. دنيويّ / أخرويّ !
    أعتبر أنّ رمضان عبارة عن “سوق” ، و لكلّ مشترٍ الحقّ في اختيار سلعته !

    لا أتصوّر أنّ من معاني تحصيل البركة : الانقطاع عن الدّنيا / المعاصي ، و التّقرّب من الآخرة / الحسنات .. فقط !
    لا أتصوّر أنّ في أيّامنا خير محض ، أو شرّ محض .. و إنّما أعمال مُخالَطة !
    النّاس – كما أسلفت – ليسوا إمّا ملائكة ، و إمّا شياطين !

    البركة الأعظم في رمضان : أنّه يعلّمنا / يدرّبنا على أنّ الإنسان حين “يريد” فهو “يستطيع” .. لكنّه فقط لم يجرّب !
    إنّه يعلّمنا : أنّ الإنسان الذي يستطيع أن يترك شيئا من فطرته “الغريزيّة” .. يستطيع في المقابل ؛ ترك عاداته “المُكتسبة” ! . يستطيع ترك أيّ شيء من التّرف الدّنيوي ، الأفكار السّاقطة ، العادات السّلبيّة . يستطيع أن يتسلّق القمم ، و يترك الأودية !

    من بركاته أيضا : أنّه يعلّمنا و يُثبِت لنا عن تجربة ، أنّ النّاس فيهم خير ، أرهقته إمّا إرادة ضعيفة ، أو علم ناقص ، أو ذُلّ مُكتسب ، أو شيطان “صايع” !

    من بركاته : أنّه يعلّمنا أنّ كل شيء يمكن وزنه ، و لكنّ موازين الآخرة ، لا نعلم منها إلا حرفها .. لا مكيالها !

    -2-
    التّدافع الحاصل بين أهل الصّلاح ، و أهل الفساد ، من علامات “حياة” الأمّة !
    يُقال : النّزاعات ؛ علامة حياة العلاقات !

    أن يُفسِد / يُخطئ أحد ما ، فيأتي إليه من يقول له : أخطأت .
    هذه العلاقة ما عبّر عنها الدّين بالأمر بالمعروف ، و النّهي عن المُنكر !

    الإشكاليّة حين يُختَصَر مقصد الإصلاح ، و التّكافل / التّكامل الاجتماعي في : النّهي بجهل ، و الأمر بتعصّب . مُضافا إليه أسلوب فظّ غليظ ، لا يقبله من علّم نبيّه : ” و لو كنتَ فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ” ! . و حين يؤخذ الأمر “لغويّا” .. لا يُقبل الإعراض و عدم الاستجابة ! ، و المفترض أن يكون الأمر خاضعا للّين و التّبشير و عدم التّنفير .
    الآمر ليس معلّما / مغيّرا .. إنّما هو ناصح / مصحّح !

    -3-
    بعيدا عن الفساد / الإفساد في رمضان ، و بعيدا عن انجرار أُناس إليها ، و بعيدا خطط مرسومة ، و سفر ممدودة ، و “كروش” موروفة ..

    الذي يجعلنا أكثر : رُقيّا ، طاعة ، إشراقا و تفكّرا : أن تكون لنا حضارة مُفعّل ما فيها ، راقٍ تعليمها ، متفاهم / متفهّم حوارها ، مُعاش تاريخها ، لبق أسلوب خطابها ، غزير علم أهلها ، مترابط مجتمع أفرادها !
    في غياب ذلك أو بعض منه ؛ تكون النّتائج التي نشكو منها هي محض سنّة طبيعيّة .. إلى حين !

    كل عام و رمضانكِ أكثر بركة .

  5. دائماً أتساءل
    ليش كل البرامج والمسلسلات تكون بهذا الكم الهائل في رمضان
    وخاصة إن منتجيها مسلمين وفاهمين فضل الشهر وإنه شهر عبادة ورحمة وغفران
    ..
    موضوع ع الجرح
    وكل رمضان وأنت الى الله أقرب 🙂

  6. ,

    تلك من النتائج الشيطانية ” لأغوينهم أجمعين ” تحشوا الشياطين العقول فساداً ليظهر إنتاجة / إنتصاره في أيامٍ يُصفدون بها
    نحن ضُعفاء جداً لأن الرجيم حقق و …. نبتسم , بـ لا تقوى ولا حرمة شهر

    يا رب سامحنا و لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا
    ثمة تفاؤل لـ نعيد أنفسنا من زخم المعاصي تلك وندرك أين نحن ! “الخير في أمتي إلى يوم الدين”اللهم صلي وسلم عليه
    بينو – قولي آمين ربي يجعلنا من هذا الخير الباقي ,و … (رمضانك مٌبارك ) (f)

  7. مقالٌ مُربك .. ورااائع ..

    فهل نستطيع ان نتدارك حجم هذا الشهر وسط هذا الضجيج .. !

    كل عام وانتِ بخير .. شكرا لكِ ..

  8. لولا التمايز بين همم المسلمين لما كانت الجنة درجات..
    رزقني الله وإيّاكِ والمارين الفردوس الأعلى.

  9. عَلى منْ يقرأ لكِ أن يُجيد حَبسَ نَفَسهِ طويلًا !
    فحالة النّص الناضجَة تعبرُ بنَا نحو الدهشة ولا تقفْ !
    ثمّ إننا لمَالا نعتبرُ مَا يحدث هوَ نوع من الابتلاءِ وَالامتحَان مِن ربّ السّماء
    فلنثبتْ أننا أهلًا لهذَا !
    رزقنا الله وإياكِ ومَن قرأكِ حُسن العملِ واتقانهْ !

  10. كل عام و أنت بخير

    عني لا أتابع سوى البرامج الدينية بيني و بينكم

    و خواطر شاب ومن الإنترنت لا غير ما سواه فللجحيم 🙂

  11. \

    مشكلتي العظمى ..
    ليست مع العقول الساذجة التي تتحنط أمام الشاشة
    بل الأفواج التي تكدس أطفالها حولها وهي تتأمل بحرص كل قبح الخطيئة
    وتتأثر فعلا بالقصة الساذجة ساهية عما يتشربه الصغار من أفكار مشوهة وعفن
    و غافلة عن أن ما يفعلونه هيّن أو هكذا يحسبونه .. وهو عند الله عظيم !!

    أخيراً ..

    صدق الهاشمي عليه من الصلوات ما هو أهله حين قال :
    ” … ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ”

    \

    اللهم اجعلنا من عتقاءك فلا تردهم إلى حيز العذاب أبدا

  12. ياليتَنا نعي قول الحبيب صلواتُ ربي وسلامهُ عليه في الحديث القدسي : { إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به }، لتهافَت الجميعُ صادحين ” وعَجِلتُ إليكَ ربِ لتَرضى ” ، ولكن النفوسَ في اغتَرار وفي نَهمٍ لتذوق ما شذ وطار به الصواب ..

    ll~

    دُمتِ ذاتَ هِمَّة ..

  13. البركة هي الزّيادة ، و كل إنسان له حرّية الاحتيار في القطاع الذي يريد التّنمية فيه .. دنيويّ / أخرويّ !

    أعتبر أنّ رمضان عبارة عن “سوق” ، و لكلّ مشترٍ الحقّ في اختيار سلعته !

    البركة الأعظم في رمضان : أنّه يعلّمنا / يدرّبنا على أنّ الإنسان حين “يريد” فهو “يستطيع” .. لكنّه فقط لم يجرّب !

    اصبت شديداً يا فهد ,
    نهايةً ما أكثر ما نكتشف ونُحدّد الأخطاء , لكن من يُساعد/ يقوم في تقويمها !

    لأشدّ الشُكر يغشاك .

  14. والشطر الأخير من رمضان يمضي نحو الغياب
    أسأل الرحمن أن يجعلك فيه من العتقاء من النار .. يا مبدعة ،

    رائع ما كتبتِ ..
    وإن كان رمضان قد جمع أناساً على شاشة mbc .. فإنه أيضاً قد جمع أكثر منهم على المساجد ، والكعبة المشرفة

    تحيتي

  15. ؛ وليد الحارثي ؛
    اللهمّ آمين , بالفعل انقضى رمضان بشكلٍ سريع وبالأمس قد كُنّا نُبادل العالم التهانيء بحٌلوله !
    اسأل العظيم أن يُبارك لـ أولئك الطيّبين بالمساجد , و التقيّين الذين يتضرّعون حول بيته .
    و يهدي الشطر المأسوف عليه .

    حُيّيت و رُقيّك مديداً يا طيّب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.