القراءة: أن تفهم العالم.

كأيِّ امريءٍ سكِّير قراءة، تبدو الإجابة على سؤالٍ مثل “لماذا نقرأ” أمراً صعباً للوهلة الأولى. وكأنَّك تسأل نفسك حول أحد البديهيَّات التي لم تفكر يوماً في التوقُّف لتأمُّلها، كلِما نتنفس؟ نسعى؟ أو حتى نفتش عن السعادة؟ إذ يتبخّر عنك الكلام، يُغادرك فجأةً ويفرُّ منك في الوقت الذي كنت تحسبه صديقاً مُخلصاً وملازماً لك!

إنَّها الحاجة، الحاجة التي تسدُّ جوعنا الدائم نحو الأشياء، رغبتنا الحثيثة في الشُّعور بشكلٍ أفضل. فالقراءة ليست فعلاً عابراً، هي مَوردٌ صغير، اعتكافٌ يعزلك عما يُضيم، هي نافذتك اليقظة على الآخرين!

ولأن {اقْرَأْ} التي بعثها الله كانت زرَّ تشغيل؛ قرأت، ثُمَّ في الأديان والتاريخ والفِكر والأدب كان أن غرقت!
اقرأ، لأنَّ القراءة تذكرتي إلى عقول الخالدين، لأنَّ فيها ملاذي، لأنَّها مخرج الطَّواريء! أقرأ لأفهم العالم، لأتوصَّل إلى طريقةٍ أتصالح بها مع خيباته وغرابته، لأُحبه أكثر. أقرأ لأُجيب محمود درويش حين تساءل “هل نُدرك المجهول فينا؟”.

إنَّ ما تُضيفه القراءة لحياتك وشخصك أكبر من أن تلحظه في لحظات وتُدركه في ليالٍ معدودات، في أفعالك سترى أثرها، في سُلوكيَّاتك، مفاهيمك. فهي بارَّةٌ برفقتك غير عاقَّة. إنَّها قادرة على أن تصنع منك شخصاً قويماً أو مُعتلاً، إذ أنَّها سُلَّم، به تختار طريقك إمَّا لأعلى أو لأسفل.
و هي ليست -كما يظنُّ الطريفون حين لا يقرأون إلا الرواية- طريقاً مُختصراً لبلوغ مرحلة الثقافة واكتساب رُتبة “مُثقف” بشكلٍ تام، ليس استنقاصاً وهجاءً في الرواية، فثمَّة من هم كتولستوي ودوستويفسكي وهوجو ومن شبههم من الرائعين حفظوا للعمل الروائي قيمته ووقاره الحقيقيّين. والمُثقفون تعرفهم بسيماهم وقراءاتهم.

“المكتبة: بيتٌ كبير، يعيش الموتى فيه مع الأحياء.” هكذا يقول أحد الذين ضاع اسمهم في وجه التَّاريخ، فصرنا نُسمِّيهم بـ”مجهول”! وأُصدِّقه في ذلك.
فهلاَّ لُذنا إلى مكتباتنا و أنصتنا لوشايةِ الأموات!


-مقال كتبته على عجل، تم نشره في احد أعداد مجلة “الإسلام اليوم”
إجابةَ على سؤال: لماذا نقرأ؟

8 آراء على “القراءة: أن تفهم العالم.

  1. صدقتي قولاً ي اختاه ..
    اقراء ، تنشلك من الضياع الى الامان
    القراءه زاد الانسان و بها ترتقي الامم
    لدي نظريه مهما وصل مستوى الشخص من شهادات
    لا اسميه مثقفاً و واعياً اذا لم يتطلع و يقراء من الكتب
    المثقف من يقراء ما يزيد من وعيه و ثقافته و ينفعه بدينه و اخرته..

    بارك الله فيك

  2. القراءة نوع من أنواع السفر, وهو سفر فريد من نوعه..
    انتقال عبر الزمان قبل المكان, هي بعثرة تفاصيل عالمنا وإعادة ترتيبها..
    القراءة أكبر من أن أتحدث عنها..

    مقال جميل, بوركت

  3. مثل الطعام يسد الجوع فالقراءة تسد الجهل وقد تزيدة .
    القراءة الواحدة تدفعك لعدة قراءات حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من حياتك . (f)
    جميل ما خطه قلمك :g: :g:

  4. استلهمني مقالك رُغم أنفي وتمللي من صفائح الإنترنت البائسة شلّني من العمق ومفهوم التسوّل بقولك كأي سكير .
    لا أذاقك الله يوماً يأبى القلم الرضوخ لك فيه ‘

اترك رداً على ريم آل الأمين . إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.