إرشيف شهر يناير, 2013

أُذنك قليلاً أيها العالم.

الخميس, 31 يناير, 2013

Ben James, Wales 1953


هذه صورةٌ طيّبة. تُعيد لي أشياء قديمة، تُعيد لي شغفاً ذوى وهوى.
هذه صورةٌ تصلح لنصٍ طويل، كثيف.. يُتعبني الآن أن اكتبه.

ولست أذكر، في أيٍ مرحلةٍ أضعت هذا الرضى، هذا الشعور. أعني شعور أن تكتب شيئاً مُرضياً لايفهمه إلاك، لأن الآخرين كانوا ولا زالوا عابرين، لايكترث أحدهم بأحد، وإن فعلوا فإن اكتراثهم هذا يبور ولا يدوم. تتسابق أبصارهم على أمجاد بعضهم، يمتصوّن أحاسنهم، يهرشون لُبابهم ثم يقذفون بما تبقى منهم مثل عظمةٍ جرداء، ما عادت تستهوي أحداً.

إنه كلامٌ طويل، مريب. لايتسع له الليل، ولايفهمه إلاي، وأنتم في هذه الظلماء: محض عابرين.
أُذنك قليلاً أيها العالم؛ أشياء كثيرة لتُقال، إفشاءاتٌ ثقيلة لتُزاح. ثمة صوتٍ واهن، أرهقه هذا الزمان.

مايودُّ الليل قوله

الثلاثاء, 22 يناير, 2013

لطالما تسائلت، أي شيءٍ يسمعه الليل في هزيعه الأخير؟ أي نوعٍ من الأشياء يُفضي بها الآخرون؟ أيُّ نوعٍ من الأسرار، والأخطاء كانت أذنه مخبأً لها.
أتخيله كأبٍ منهك، يصم أذنه.. عن أمور لا تهمه، عن أشياء كثيرة لم يختر يوماً سماعها، ورؤيتها.

-

رائحة أمطار البارحة كانت لا تزال تتمطّى في الجوّ، بدى كأيّ صباحٍ عاديّ إلى أن طرق النبأ أبوابهم. استيقظت القرية متفاجئة، وشغوفة. استيقظت أفواههم، ثمّة ما يدعو إلى النميمة هذا الصباح! خرجوا يتشمّمون مصدر الفضيحة، كما الكلاب البوليسية.

“ابنة النجار مفقودة”

يعرفونها في عمر الرابعة عشر، هادئة معظم عمرها، أول ما يقفز إلى رؤوسهم عندما يُذكر اسمها: ” الفتاة الصماء”. استيقنت أُمها ذلك بعد سنتين كاملة من النداء والخطاب، لم تستجب يوماً لها، عرفت حينها أنها وُلدت صماء، لم تسمع يوماً ما يقوله العالم.

أما هي، فلم يزعجها قط هذا الصمت المهيب، كانت تظن أن العالم مثلها أصم وأبكم، يُشاركها علّتها.. وأن والأفواه التي لطالما رأتها تلعب من حولها مجرّد أعضاء حركيّة تتحرك لمجرد التحرك، ليس ثمة فائدة منها.
عندما كبرت قليلاً، لاحظت أن الآخرين يفهمون بعضهم عبر هذا العضو الزائد، ويتصرّفون بناءً على ما يصدر منه.. فهمت ذلك يوم رأت جدتها يوماً تسرُّ لأمها بأمر، لاتود لها معرفته.
تيّقن لها شكها أخيراً عندما مرضت أمها؛ كانت تحرّك فمها كثيراً قبل أن تموت.. كمن أراد أن يوصيها بشيء، كمن أراد أن يقول شيئاً مهماً…


قال عنها أهل القرية “لابد أنها سئمت معيشة والدها، كانت تعمل ليل نهار” قلن بعض النساء “مسكينة” وقلن أُخريات “كانت تتصرف بغرابة الأيام الأخيرة” وتمتمت عجائز القرية “لاتخدعنكم المظاهر، الفساد يطال الجميع!” وقالت جدتها “تمتمت علي بشيءٍ وأنا نائمة، أظنها كانت تودعني.”
أما الشبان فقالوا أنهم وحدهم يعرفون تماماً ما حدث تلك الليلة “رأيناها تحادث رجلاً وتؤشر في انفعال، في ساعةٍ لا تصلح للمحادثات.”

“ابنة النجّار فرّت”

طارت النميمة في القرية، حتى حطّت على منزل النجار. هو الذي من بينهم جميعاً اعتاد أن يرقد كقطٍ ساكن، ماعاد يرقد منذ اختفت ابنته، صار يتوجّس من النوم، بعد أن كان يظنه تعويذة المصائب، صار يُنكره. أيقن أخيراً أن المصائب ليست مصائب لأنها تغمُّ الآخرين، بل في كونها تجيء بغتة. في لحظات طمأنينتك واستقرارك. مثل رصاصةٍ مُباغتة، وموجعة، لا تعرف مصدرها.

بحث عنها طويلاً، مضى أسابيع طويلة يجوب القرى القريبة ويسأل، حتى تقعّد أخيراً عن الأمر ويأس. ولمّا وصلت إلى بابه النميمة تشبث بها -كمن وجد تفسيراً مقنعاً- وصدّقها. كره ابنته وصار يلعنها. وعندما لم يحتمل ألسنة الآخرين، أراد أن يُنسيهم ذِكره.. أخذ متاعه وانسلّ من القرية بخفّةٍ في الفجر.

-

أما الليل، فكان رأيه مختلفاً تماماً. لقد رأى كل ما دار، وأحاط بكل شيء.
تلك الليلة، أيقظت الفتاة جدّتها، هزّتها طويلاً وأشرت كثيراً، وحين بدى لها أنها لا تود الاستيقاظ أشارت لها بإزميل والدها لتذكّرها بما اتفقن عليه. أشارت لها الجدة بالإبتعاد، ففهمت من ذلك أنها تريد لها الذهاب وحدها.
خرجت من المنزل متجهةً إلى المحل، وفي طريقها وجدت البائع الذي تريد عائداً إلى منزله، ابتهجت، أخرجت له الإزميل المهتريء وأخذت تؤشر بانفعال. أرادت مجموعةً جديدة لوالدها. غير أنه لم يفهم منها شيئاً، قال لها متعجلاً اعرجي على المحل غداً، ثم سار مبتعداً.

كانت ليلةً صافية، ساكنة، شديدة الزُرقة.. البرد يلعب أرجوحته في الهواء، يمسّها تارةً و يتركها أخرى. لكنها لم تنتبه لكلّ هذا، كانت عائدةً إلى دارها مهزومة الخاطر والرغبة، تكاد تخنقها الخيبة.

ثم اعترضوا طريقها فجأة، التفوا حولها، أخذوا يحرّكون أفواههم، لم ترى يوماً هذا النوع من حِراك الأفواه، كان مريباً، توجسّت. راحت تركض. ركضوا خلفها. أرادت أن تصرخ، لكنها تراجعت حين بدى لها أن العالم أصمٌ وعاجزٌ مثلها تلك الليلة… امسكوها. طرحوها أرضاً. جرّدوها، مما عليها، من سَكينتها… أخذت تصارع وتفعل الشيء الوحيد الذي كانت تقدر عليه تلك اللحظة: البكاء.
تذكرت ساعتها أمها، تذكرت ما كانت تحاول قوله…

عندما فرغ منها رابعهم، كانت قد سكنت، وتوقفت عن الحراك. حرّكوها قبل أن يتيقّنوا، جذبوها مثل ورقةٍ خاوية ثم رموها إلى البحر.


بكت عليها السماء بغزارة تلك الليلة: “كل ما أرادته هو مفاجئة والدها”
وقال البحر يومها: “رغم كل شيء، كنت سعيداً عندما قذفوها إليّ. بدت وحيدة، وأردت احتضانها”

أما الليل، فتمتم:
” وحدي شهدت كل شيء…
أنا.. شاهد عيان، لم يُطلب يوماً إلى المنصة.”


جميع الحقوق محفوظة لكاتبة المُدوّنة: بنان مرزوق, ولا يُسمح أبداً بأيًّ نسخ -كُلّياً كان أو جُزئياً- إلا بعد أخذ الإذن أو ذكر المصدر.
This site is protected by WP-CopyRightPro