ثيمة المثقف المُعاصر: النزوح إلى اليسار.

13 ديسمبر, 2015

لازلت -حتى اليوم- لا أفهم ربط صورة المثقف عند البعض بالتنصُّل من أي صبغة دينية، لفظاً أو فكراً، لُباً أو ظاهراً. وكأنما صورة “المثقف الداعر” الهاتف بالرذيلة والمتحرر من أي قيدٍ باتت مُغريةً للمائق المعاصر.

إن المُبصر للمشهد الثقافي الشبابي والمتأمل لتناميه -أو ربما تداعيه!- باستطاعته أن يلحظ بسهولة التحسس من الثيمة المحافظة، والنزوح والفرار إلى اليسار، وإن كان اليمين حميداً وعادياً.
ليس الأمر متعلقاً بالمضمون المحافظ، فالاستحقار الظاهر قائم رغم الزخم المعرفي الذي يفيض فيه المحافظ، والذي قد يكون أحياناً أكبر قيمةً وأشدّ أصوليةً من بعض التيارات. فالمثقف المحافظ وطالب العلم ينهل من نوادر الكتب، وأمهاتها، ويُغرق نفسه في أصول المسائل والعلوم الفقهية والشرعية، وكذا السياسية والفكرية. إبراهيم السكران أنموذجاً.
لكن مثقف اليوم لا يستطيع تخيل أن يكون المرء محافظاً، يقضي وِتره في هزيع الليل، ويُنهي ورده اليومي، ثم يزرُّ خاتمة يومه بقراءة نيتشه وسارتر. لا! تبدو الثيمة بدائية لبعضهم، ولا تشبه المثقف الإنجليزي بقبعته السوداء وتبغه الأسود. المثقفون هم أحفاد العمّ سام، وماعداهم بَوار، فالفرار الفرار من العربيّ ولسانه، وشكله، ونهجه.

لاشك أن المسألة يرجع بعضها إلى الصورة التي قدّمها التيار المتشدد -وينبغي للمرء أن يتنبه هنا للفرق مابين المتشدد والمحافظ- وسعي هذا التيّار لتمثيل الخطاب الديني والاستحواذ عليه، وإن كان التمثيل خاطئاً ومروّعاً في مجمله.
لكن هذا السبب، وإن كان مدعاةً للنفور، لا يركن إليه إلا عيدان القشّ، أتباع الأنام لا المَورد، الذين يربطون الدين والتديّن بالبشر، في حين أن الدين مثالي، والبشر ليسوا كذلك!

فعلى الصعيد الإنتاجي والأدبي، التحسس من كل لفظة واستعارة إسلامية وتراثية ملحوظ؛ خشية أن يُرجم صاحبها بالتهمة المروّعة: “مطوع”. مما يُعيدنا إلى جدلية التراثي في مواجهة الحداثي، ويذكرنا بالصراع الشهير الذي كان قائماً مابين الرافعي وطه حسين حول الأدب التُراثي والحداثي، واللفظة الإسلامية والإنجيلية. ومن يقرأ كتاب “الأيام” لعميد الأدب: طه يرى كيف تبدل منهجه بعد ذهابه لفرنسا، وتحوّل من عربيّ اللهجة لأعجميّها، ومن روّاد الأزهر إلى أشرس أعدائها ومحقريها.

على الصعيد الآخر، نرى من الحداثيين والمتحررين من هم متصالحون مع التراثي في خارجه ومظهره، لا لُبه، ويستمدون منه موادهم الخام. وهو أمرٌ ظاهر في بعض الأعمال الفنية الشبابية اليوم: إذ ترى عملاً فنياً يرفل في جوٍ إسلاميّ، وتتزيّن شخوصه بالعباءة والنقاب. في الوقت الذي تتبرأ فيه صاحبة العمل من الحجاب ولا ترتديه، بل قد تُحقّر كل من ترتديه وتقولبها في قالب “الظلاميات”.
وهو -ببساطة- ما أسميه بالإنفصام القيمي.

نحن دون شك خاضعون تحت هيمنة تراثٍ آخر، تراث افرنجي لا يُشبهنا في شيء. ففي حين يهرب بعض هؤلاء من التراث المحافظ، أو من كل ما يمثل هويةً وتاريخاً -كلعبة طاق طاقية- نراهم يقعون بكل وداعةٍ وانصياع في هيمنة التراث الأمريكي، ولا مشكلة عندهم حينها. تهاني الكريسماس أنموذجاً، التي يتسابق بعضهم على إفشاءها سنوياً والإلتصاق بكل مظاهرها مثل ديدان علق.

إنها العبودية الإنجليزية، وتقديس صنيعة الأبيض، وإن كانت وبالاً. باعتبارهم في الطليعة دائماً، وكل شأنهم ومسعاهم صواب، وهذا يتضمن تراثهم وتقاليدهم.

لهؤلاء تقول: اختاروا هوياتكم، انسلّوا من تراثكم، لا مأرب لنا ولا مَطلب. إنما لاتقذعوا هويّات الآخرين وأنتم تلتصقون كالعبيد بأخرى.

“صفّارة إنذار داخل رأسي.”

26 نوفمبر, 2015

النوم يتكيء على جفنيه، يحاول نفضه مع كل رَمشٍ له -كسبيلٍ وحيدٍ للدفاع.
عليّ أن أبقى يقظاً” هكذا يُخبر نفسه، هكذا يلكز نومه. ثم بوجهٍ معفّرٍ بالحنق يضرب بوق السيارة، ويعترض السير، ولا يتردد عن إرسال أي شتيمة لأي سائقٍ يظن أن قيادته لا تُوائمه هذه الظهيرة.

لا شيء يُعجبه هذا المساء.

وحتى يكون المرء مُنصفاً، فلم يكن الرجل قديماً بهذه الصورة، ثمة ما أطفأه. يظن رفاقه أنها تتبيلات الزمن، وتكيّفوا بفضل هذا اليقين مع نوباته وتبدُّلاته.
أمه كانت تختمر في رأسها فكرةٌ مختلفة تماماً: وجد الشيطان إليه منفذاً. أما زوجته، فعرفته دائماً بهذه التركيبة الجديدة، فليس ثمة ما يدعوها إلى الاعتراض.

أما هو فلم يكترث كثيراً، اقتنع منذ ٥ سنوات -بعد نوبة استياءٍ حادة- أن عافيته كانت على الدوام تكمن في التبلّد، وكفّ اهتمامه، وإغلاق أي صنبورٍ يصبُّ في غير مَورده. اقتنع دونما رجعة أنه وجد حريته المُطلقة: ألا يكترث.

كانت تسكنُ رأسه نبتةٌ مستورة، ومنكفئة، يرويها كل حين بقناعته الجديدة: نولد طيّبين، غير أن الحياة تُربينا على غير ذلك.

-

ضجّ المكان فجأةً بأصوات أبواق السيارات، ولم تكُ سيارته أحدها. كان الذين خلفه يحثونه على التنحي، حتى تجد سيارة إسعافٍ خلفهم منفذها.
لكنه قرر أن الأمر غير مهم، ولا يعنيه. فصمّ أذنه ببرود وأغلق نافذته دونهم.

وبالرغم من محاولات الاستنكار والاستهجان التي تلحّفته من الجموع، واستمرار أصوات النفير، فلا زال متشبثاً دون سببٍ وجيه عند موقفه، ذلك أنه -وبكل بساطة- قرر ذلك.

ولمّا جاء إليه المُسعف مُهيباً به يوقظ انسانيته: “هل أنت مجنون؟ ثمة امرأة مختنقة”
أجاب ببرود: “خذ المسار الآخر، حتى أنا أريد الوصول لداري مبكراً”
- “ما بالك أيها الملعون؟”

عند هذه الكلمة تيقظ مثل كلبٍ مسعور، وانكب على المُسعف يلكمه، ليتركه صريعاً في منتصف الشارع مثل دابةٍ نافقة.
راح بعدها المُسعف الآخر يُسعف رفيقه…

-

لما عاد أخيراً لمنزله، كانت السيارات تملأ شارعه، اثنتان منها سيارتيّ اطفاء تتمركز عند بابٍ يعرفه جيداً. كان منزله يحترق.
وفي صَدرِ صدمته ترك لأذنه أن تفقد حسّها بكل ما حولها، إلا من همسات مُتجمهرين اثنين، أبديا بكل حُزن: “ماتت زوجته مختنقه”.

لم تُسمع صفارة الإسعاف أبداً عند منزله ذلك اليوم.
لكنه دونما ارتياب سمعها جيداً -بشكلٍ عالٍ ومدوٍ- في مكانٍ آخر.

متى تأتي أمي؟ (قصة قصيرة)

8 فبراير, 2015

Ben James, Wales 1953

مرّ أسبوعٌ الآن، ولازالت الفكرة تعوم في رأسه. ضبابيّة، وغريبة، ولايبدو أنه -حتى اللحظة- يفهم ماهيّتها. ولمّا لم يجد من يسمعها، علّقها على مشجب الوقت وأخذ ينتظر… متى تأتي أمه؟

لم يستطع منذها النوم، ليس خائفاً، ولايمكن الجزم بأنه مستاءٌ أيضاً.. إنه مرتبك، ويُغالبه التعجب في كل مرةٍ يطرأ فيها الموقف ويتمدّد في رأسه الصغير: أيُّ شيء هو؟ لمَ كان غريباً؟ ولم بدى له أن المسألة ليست صالحة للإفصاح ويغلب عليها التكتُّم، هل كان خطباً خاطئاً؟ لا يدري، لكنه أحسّ أن أمه تدري.. متى تأتي أمه؟

إنها تأتي، لكنها لا تأتي فعلاً؛ وتُقبل، لكنها لا تجيء حقاً.
كلّما همّ إليها وجدها ترفل في عملها وتكدح، وإذا ما فرغت كانت تسعى في المطبخ، وفي المساء كانت تداوي أمها وتقوم عليها، ثم تُلحق ذلك بشؤونها. وقلّما وجد الصبيّ منفذاً…
أما أبوه، فكان كظاً لظًا، وليس في حديثه معه مَغنمة.

وعندما أتت أخيراً -أو هكذا بدى له. ارتمى في حضنها: “أمي، اشتقت إليكِ”
- “وأنا كذلك يا صغيري” ثم راحت تعد المائدة فيما أخذ ينسلُّ من حضنها.
- “هل لعبت مع رفاقك اليوم؟”
- “لا…”
- “هيّا الحق بهم، إني اسمع أصواتهم في الخارج”
- “لكنني… لا أريد.”
وكمن تذكر أمراً مزعجاً: “وأخشى أن يلعبوا معي لعبة عمي… وأنا لا أحبها”
- نظرت إليه على عجل فيما كانت تعبث في المطبخ “مالذي تعنيه؟”
- “عندما يلعب معي عمي… يُغلق الأنوار ونلعب في الظلام
ثم يمسكني بطريقةٍ غريبة يا أمي
لا أحب هذه اللعبة… لا أريد أن ألعب هذه اللعبة”

التفتت الأم بجديّة، أوقفت ما كانت تقوم به، ثم اقتربت من ابنها. شعر أخيراً أن “الجواب” قد جاء، وأن الطمأنينة التي غادرته منذ أسبوع ستدبّ في روحه من جديد، وأن أمه المقتربة إليه الآن لطالما كانت الجواب، والملاذ:
- “لا تلعب معه إذاً!” ثم أدارت ظهرها وانشغلت من جديد.
انقبض قلبه، لم يعجبه الجواب، أين الجواب؟: “لكنه.. يلاحقني يا أمي”
وكاستجداءٍ أخير، رمى ما ظنه سيشدُّ اهتمامها: “حتى أنه يقول لا تخبر أحداً”

وقد نجح، التفتت إليه.. غير أن نظراتها لم تكن ماكان يصبو إليه.
اقتربت منه مرةً أخيرة، انحت عند رأسه، ثم قالت في صوتٍ هامسٍ وديع:

- “لا تكذب كذبةً لن يُصدقها أحد.”

ثم غادرت، قبل أن تسمع ماقاله، قبل أن تُصدّق على اعترافه.
راحت، وجلس في ظلماءه، كمن توّرط في حملٍ ثقيل، كبير، لا تقوى على حمله يدان صغيرتان، ضئيلتان:

-”لكنني…
لا أكذب يا أمي!”

أُذنك قليلاً أيها العالم.

31 يناير, 2013

Ben James, Wales 1953


هذه صورةٌ طيّبة. تُعيد لي أشياء قديمة، تُعيد لي شغفاً ذوى وهوى.
هذه صورةٌ تصلح لنصٍ طويل، كثيف.. يُتعبني الآن أن اكتبه.

ولست أذكر، في أيٍ مرحلةٍ أضعت هذا الرضى، هذا الشعور. أعني شعور أن تكتب شيئاً مُرضياً لايفهمه إلاك، لأن الآخرين كانوا ولا زالوا عابرين، لايكترث أحدهم بأحد، وإن فعلوا فإن اكتراثهم هذا يبور ولا يدوم. تتسابق أبصارهم على أمجاد بعضهم، يمتصوّن أحاسنهم، يهرشون لُبابهم ثم يقذفون بما تبقى منهم مثل عظمةٍ جرداء، ما عادت تستهوي أحداً.

إنه كلامٌ طويل، مريب. لايتسع له الليل، ولايفهمه إلاي، وأنتم في هذه الظلماء: محض عابرين.
أُذنك قليلاً أيها العالم؛ أشياء كثيرة لتُقال، إفشاءاتٌ ثقيلة لتُزاح. ثمة صوتٍ واهن، أرهقه هذا الزمان.

مايودُّ الليل قوله

22 يناير, 2013

لطالما تسائلت، أي شيءٍ يسمعه الليل في هزيعه الأخير؟ أي نوعٍ من الأشياء يُفضي بها الآخرون؟ أيُّ نوعٍ من الأسرار، والأخطاء كانت أذنه مخبأً لها.
أتخيله كأبٍ منهك، يصم أذنه.. عن أمور لا تهمه، عن أشياء كثيرة لم يختر يوماً سماعها، ورؤيتها.

-

رائحة أمطار البارحة كانت لا تزال تتمطّى في الجوّ، بدى كأيّ صباحٍ عاديّ إلى أن طرق النبأ أبوابهم. استيقظت القرية متفاجئة، وشغوفة. استيقظت أفواههم، ثمّة ما يدعو إلى النميمة هذا الصباح! خرجوا يتشمّمون مصدر الفضيحة، كما الكلاب البوليسية.

“ابنة النجار مفقودة”

يعرفونها في عمر الرابعة عشر، هادئة معظم عمرها، أول ما يقفز إلى رؤوسهم عندما يُذكر اسمها: ” الفتاة الصماء”. استيقنت أُمها ذلك بعد سنتين كاملة من النداء والخطاب، لم تستجب يوماً لها، عرفت حينها أنها وُلدت صماء، لم تسمع يوماً ما يقوله العالم.

أما هي، فلم يزعجها قط هذا الصمت المهيب، كانت تظن أن العالم مثلها أصم وأبكم، يُشاركها علّتها.. وأن والأفواه التي لطالما رأتها تلعب من حولها مجرّد أعضاء حركيّة تتحرك لمجرد التحرك، ليس ثمة فائدة منها.
عندما كبرت قليلاً، لاحظت أن الآخرين يفهمون بعضهم عبر هذا العضو الزائد، ويتصرّفون بناءً على ما يصدر منه.. فهمت ذلك يوم رأت جدتها يوماً تسرُّ لأمها بأمر، لاتود لها معرفته.
تيّقن لها شكها أخيراً عندما مرضت أمها؛ كانت تحرّك فمها كثيراً قبل أن تموت.. كمن أراد أن يوصيها بشيء، كمن أراد أن يقول شيئاً مهماً…


قال عنها أهل القرية “لابد أنها سئمت معيشة والدها، كانت تعمل ليل نهار” قلن بعض النساء “مسكينة” وقلن أُخريات “كانت تتصرف بغرابة الأيام الأخيرة” وتمتمت عجائز القرية “لاتخدعنكم المظاهر، الفساد يطال الجميع!” وقالت جدتها “تمتمت علي بشيءٍ وأنا نائمة، أظنها كانت تودعني.”
أما الشبان فقالوا أنهم وحدهم يعرفون تماماً ما حدث تلك الليلة “رأيناها تحادث رجلاً وتؤشر في انفعال، في ساعةٍ لا تصلح للمحادثات.”

“ابنة النجّار فرّت”

طارت النميمة في القرية، حتى حطّت على منزل النجار. هو الذي من بينهم جميعاً اعتاد أن يرقد كقطٍ ساكن، ماعاد يرقد منذ اختفت ابنته، صار يتوجّس من النوم، بعد أن كان يظنه تعويذة المصائب، صار يُنكره. أيقن أخيراً أن المصائب ليست مصائب لأنها تغمُّ الآخرين، بل في كونها تجيء بغتة. في لحظات طمأنينتك واستقرارك. مثل رصاصةٍ مُباغتة، وموجعة، لا تعرف مصدرها.

بحث عنها طويلاً، مضى أسابيع طويلة يجوب القرى القريبة ويسأل، حتى تقعّد أخيراً عن الأمر ويأس. ولمّا وصلت إلى بابه النميمة تشبث بها -كمن وجد تفسيراً مقنعاً- وصدّقها. كره ابنته وصار يلعنها. وعندما لم يحتمل ألسنة الآخرين، أراد أن يُنسيهم ذِكره.. أخذ متاعه وانسلّ من القرية بخفّةٍ في الفجر.

-

أما الليل، فكان رأيه مختلفاً تماماً. لقد رأى كل ما دار، وأحاط بكل شيء.
تلك الليلة، أيقظت الفتاة جدّتها، هزّتها طويلاً وأشرت كثيراً، وحين بدى لها أنها لا تود الاستيقاظ أشارت لها بإزميل والدها لتذكّرها بما اتفقن عليه. أشارت لها الجدة بالإبتعاد، ففهمت من ذلك أنها تريد لها الذهاب وحدها.
خرجت من المنزل متجهةً إلى المحل، وفي طريقها وجدت البائع الذي تريد عائداً إلى منزله، ابتهجت، أخرجت له الإزميل المهتريء وأخذت تؤشر بانفعال. أرادت مجموعةً جديدة لوالدها. غير أنه لم يفهم منها شيئاً، قال لها متعجلاً اعرجي على المحل غداً، ثم سار مبتعداً.

كانت ليلةً صافية، ساكنة، شديدة الزُرقة.. البرد يلعب أرجوحته في الهواء، يمسّها تارةً و يتركها أخرى. لكنها لم تنتبه لكلّ هذا، كانت عائدةً إلى دارها مهزومة الخاطر والرغبة، تكاد تخنقها الخيبة.

ثم اعترضوا طريقها فجأة، التفوا حولها، أخذوا يحرّكون أفواههم، لم ترى يوماً هذا النوع من حِراك الأفواه، كان مريباً، توجسّت. راحت تركض. ركضوا خلفها. أرادت أن تصرخ، لكنها تراجعت حين بدى لها أن العالم أصمٌ وعاجزٌ مثلها تلك الليلة… امسكوها. طرحوها أرضاً. جرّدوها، مما عليها، من سَكينتها… أخذت تصارع وتفعل الشيء الوحيد الذي كانت تقدر عليه تلك اللحظة: البكاء.
تذكرت ساعتها أمها، تذكرت ما كانت تحاول قوله…

عندما فرغ منها رابعهم، كانت قد سكنت، وتوقفت عن الحراك. حرّكوها قبل أن يتيقّنوا، جذبوها مثل ورقةٍ خاوية ثم رموها إلى البحر.


بكت عليها السماء بغزارة تلك الليلة: “كل ما أرادته هو مفاجئة والدها”
وقال البحر يومها: “رغم كل شيء، كنت سعيداً عندما قذفوها إليّ. بدت وحيدة، وأردت احتضانها”

أما الليل، فتمتم:
” وحدي شهدت كل شيء…
أنا.. شاهد عيان، لم يُطلب يوماً إلى المنصة.”

موعد مدبّر

17 أكتوبر, 2012

في طاولة التحقيق، سأله المحقق: إنَّه غريب، ولست تعرفه، لمَ قتلته؟
- كنت.. كنت أريد مقابلته.
- من ؟
- ملك الموت.

جنديُّ النافذة (قصة قصيرة)

4 أكتوبر, 2012

كان المساء أحمر.
وأنا لا أقول هذا بطريقةٍ شاعريّة، كان المساء فعلاً أحمر. الدماء في كل مكان، الفوضى انتشرت بسرعة، مثل رشّة عطر. والصخب يومها كان مريض غيبوبة، يفيق ساعةً ويغيب أخرى.
ذهبت لانتشال الجثث، كان عددهم بسيطاً هذه المرة، أحجامٌ لم نعتدها، أجسادٌ ضخام. استغرقنا الأمر وقتاً طويلاً لذلك، كان شاقاً أيضاً هذه المرة.
بعدما فرغت، جلست أتأمل الموقف. إنني أقتل، للمرة الرابعة. ولا أجد في الأمر أية مشكلة، هذه هي المشكلة. أحاول التنصُّل بتفسير هذا البرود، هذا التبلُّد الذي يرتديني. وكل ما أتوصل إليه أننا في مرحلةٍ ما ننتهي إلى فعل مالا كنا نتخيّل يوماً أنّا سنفعله، هذا كل شيء، نبرر ذلك بأنّا صرنا الآن أكثر فهماً.. أكثر اقتناعاً.

في المرة الأولى، حاولت إبقاء الأمر خفية. لكنه وجهي كان فاضحاً عند أمي، وجوه الأبناء دائماً أبوابٌ عارية عند أمهاتهم، واضحة، لا تُغلقها كذبةٌ أو تسترها حيلة. و كانت تعرف، أن المرء لا يخفي شيئاً إلا إذا كان جيداً جداً، أو سيئاً جداً. وكم تمنت الأولى، لكنها تدري أن الأوضاع ترجّح الثانية أكثر.

في المرة الرابعة، كانت موجودة. كان مقدراً لها أن تشهد الأمر في أي يوم، ليس الأمر كما لو أننا نتشارك قصراً، كان منزلاً صغيراً، بطابقين، وغرف كافية لأيّ عائلة صغيرة يتكون أفرادها من خمسة أشخاص. واحدٌ منهم لم يعد إلى المنزل منذ أشهر طويلة. كان ذلك أبوهم. كل ما أبقاه كان بندقية صيد.

أخبرتني ماريّة أنها سمعت بعض الأصوات، ذهبت إلى نافذة الطابق الثاني، من هناك رأيتهم، اثنان، يتضاحكان و يتمطيان. كانوا قد دخلوا ساحة دارنا، أحدهم خرج عائداً يتفقد أمراً ما، أظنه أوقع شيئاً، انفعل فجأةً مع صاحبه وأخذ يوبخه. ما إن خرج صوبت بندقيتي نحو الآخر-كما لو كنت قاتلاً محترفاً، باتجاه رقبته، وبسرعة أطلقت النار، اربع مرات، اثنتان منهما كانت في الجدار…

هكذا كنت أقتلهم، من نافذتي.

عندما سمع الثاني صوت إطلاق النار عاد مسرعاً، لم يتوقف لحظةً لتفقد صديقه، الملعون راح يرشُّ الطلقات في كل مكان بشكلٍ جنوني، وأنا صرت أرتعد وأتخبط بشكلٍ أبله. في المرات الأولى ارتجفت كثيراً وسقطت مني البندقية عدة مرات، لكني في النهاية تدبرت الأمر. هذه المرة كانت صعبة، أخذ يصوّب باستمرار نحو النوافذ، كان متمرساً ويعرف أن الرصاصة التي اخترقت صديقه للتوّ ما كانت لتجيء إلا من أعلى.

أخي الصغير كان يبكي وهو يرى اخته الكبرى تتحول لكائنٍ متوحش، لشخصٍ آخر لا يعرفه، أو لم يكن يعرفه. بينما أخذت أمي تغلق عينها كما لو كانت تدفع الشرّ بهذه الطريقة. وحدها ماريّة كانت عوناً في مثل هذا الموقف، مفزوعةً تصرخ “احذري” على الأقل.

عندما توقف لحظةً، راح يصرخ ويتوعد ويتلفت يمنةً ويسرة، صرخت ماريّة “الآن، الآن!”، رحت التقط البندقية التي سقطت أكثر مما أطلقت، وأصوّب..هذه المرة صوَب رأسه، أريد اختصار الوقت، لا أحب التعقيد، ولست ماهرة بما يكفي بحيث أتخيّر مكاناً آخر. كان غبياً إذ لم يرتد خوذةً يومها، وكان الحظُّ رفيقي ساعتها. عندما وقعت عيناه عليّ وتبيّن مكاني أخيراً، كنت قد أطلقت النار، وخرّ صريعاً، يختنق بغضبه. صليت ساعتها كثيراً للأفلام، أمي التي لطالما وبختني من أجلها صلت معي كذلك!

قبل دفنهم، بصقت عليهم، كما كنت أفعل مع كل الذين أقتل منذ بدأت الحرب. كانت هذه طريقتي الوحيدة ‪والبائسة‬ لإظهار امتعاضي، لقول:” اغربوا عن وطني! ”


جميع الحقوق محفوظة لكاتبة المُدوّنة: بنان مرزوق, ولا يُسمح أبداً بأيًّ نسخ -كُلّياً كان أو جُزئياً- إلا بعد أخذ الإذن أو ذكر المصدر.
This site is protected by WP-CopyRightPro